Header Ads

موسم الرما … المفهوم والدلالات الجزء الاول

موسم الرما … المفهوم والدلالات الجزء الاول
يعتبر فصل الصيف درة الفصول التي في ضوئها أحسسنا بقيمة الحياة، ومن شذى رحيقه تنفسنا عطر الوجود، اما شهر غشت فنغرق حيارى في فضاء رونقه وجماله وروعته، فينثر عنا رماد الحزن فتغتسل بنداه لتعود من جديد نحلق كطير يجوب الأرض مرحاً، ولكونه شهر للسهرات والحفلات والاستمتاع…كل هذا لأنه نهاية الراحة واستهلال لسنة جديدة مليئة بالجد والعمل … فاذا كان الامر كذلك فإن مدينة تالوين تنتعش خلال هذا الشهر لكونها تستقبل ابنائها الذين هجروها رغما عنهم  لكونها لا تستطيع ان توفر لهم الدفئ الكافي للعيش في الشتاء ولا الجو المناسب في الربيع فشدوا رحالهم رغما عنهم بحثا عن ارزاقهم خارجها، لكن بلدتهم هذه وفية لابنائها… فهي تستقبلهم في حلة جميلة وباهازيج حواش الرائعة وتقاليد حفلات الزفاف الخالدة، وتحتفل ايضا خلال هذا الشهر بموسم الرما لكونه من بين اهم الاسباب التي تحفز هؤلاء الابناء من العودة الى ديارهم.
فموسم الرما من بين المواسم الثقافية الاكثر شعبية في منطقة تالوين بل في اقليم تارودانت بأكمله لكونه يستقبل زواره من مختلف المناطق المجاورة  و يحمل في طياته دلالات سوسيولوجية واخرى دينية واقتصادية وثقافية لكن ما هو اصل موسم الرما وما معنى كلمة الرما وما هي الدلالات التي يحملها في طياته وهل موسم الرما تمرد على التعاليم الدينية ام هو في حد ذاته حفاظ على الموروث الديني و الثقافي ؟ كل هذه الاسئلة وغيرها تحتاج الى بحث عميق ونبش في التاريخ ومساءلة الشيوخ المسنين والاستماع الى اراء اصناف كثيرة من الفقهاء، كل هذا لعلك تحصل منهم على معلومات قليلة قد لا تشفي غليلك ولا تجد فيها ضالتك. ولكن على كل حال يجب ان تسألهم لتحصل على ارائهم.
وقبل ان ابدا في كتابة هذه  السطور اريد ان اشير الى ان هذا المقال غير موجه الى من كان همه الاكل والشراب والنوم واضاعة الوقت في مواقع التواصل الاجتماعي بالتفاهات التي لا تعدوا ان تتمحور حول غرائزه الوحشية، وغير موجه ايضا الى فئات لا تعلم عن الموروث الثقافي الا اسمه وتاريخه تنظيمه لكي يأتي ويحضر ويملا صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات المقلوبة والافتراءات الكاذبة وغير موجه ايضا الى الفئات المتدينة التي افرغت الدين على محتواه ومقاصده وتكالبت على قشوره ومظاهره وغير موجه ايضا الى الامازيغيين المتشددين، الذين بمجرد نقاش بسيط تكشف عورته وينزل بين يديك صارخا الحمل الثقيل الذي وضع على ظهره،  بل هو موجه الى ما عدا هؤلاء والى كل من له الادوات العلمية الكافية  لمناقشته من جميع جوانبه بكل موضوعية بعيدا عن التهوين والتهويل والتعصب والديني والمذهبي والعرقي…
بداية لابد من الوقوف على مفهوم واصول كلمة الرما او الرماية من الناحية اللغوية والعرفية، فنجد ان كلمة الرما بالامازيغية اتت من..تاراميت.. وهو فوج كبير من المحاربين  يطلق غالبا على العساكر والجنود، والمفرد الرامي وهو  فرد من اعضاء هذا الجيش من العساكر الذين يحاربون ويدافعون على قبيلتهم من غارات العدو، ومن الناحية التاريخية فقد تم تكوين هذه الجيوش من المحاربين من اجل محاربة الاستعمار الغاشم، غير ان بعض الباحثين يرى ان ثقافة الرما كانت موجودة قبل الاستعمار  بقرون، بل ويؤكدون على كون الرماية موجودة في شمال افريقيا قبل التاريخ الميلادي بكثير والدليل تلك الحروب الطاحنة التي دارت بين الامازيغ والرومان والفنيقيين والوندال والبزنطيين[1]،  وادا اخدنا هده الكلمة في المنظور العربي فاننا نجد في لسان العرب لابن منظور ان اصول هذه الكلمة ترجع الى الفعل رمى يرمي رميا ورماية، وفي محكم التنزيل “وما رميت اد رميت ولكن الله رمى”  ويقال رميت بالسهم رميا وارتميت وتراميت تراميا وراميت مراماة إذا رميت بالسهام عن القسي[2]، فمن الناحية اللغوبة نجد ان الرماية تدل على مجموعة من المعاني ممن قبيل الاصابة والنصر والقدف ولكن المعنى الاصلي الذي تحوم حوله وتدور في فلكه هو الرمي اي اطلاق السهم من الرمية ليصيب العدو فيقال خرج السهم من الرمية، والرماية من الناحية الاصطلاحية لون من الوان الاسلحة الحربية التقليدية العريقة مند القدم والتي فرضت نفسها الان على الساحة الرياضية العالمية.
فنجد ادن ان الرما ثقافة امازيغية منتشرة في شمال افريقيا وخصوصا في منقطة سوس، وهي ايضا رقصة حربية جماعية ممزوجة بموسيقى حماسية بالدفوف والناي وبحوارت شعرية حماسية ارتجالية يتخللها فقرات من الاستعراض الفردي والجماعي للحركات البهلوانية العسكرية السريعة التي يظهر من خلالها افراد الجيش قوتهم ومدى قدرتهم على الانتصار  على العدو، ويتم ممارسة هذه الرقصة  بأزياء تقليدية موحدة اللون ومنظمة كما هو الحال بالنسبة للجيوش العالمية في الواقع المعاصر.
ومن المعلوم لدى الجميع ان موسم الرما يتم تنظيمه غالبا في منتصف شهر غشت كما تعارف على ذلك اغلب سكان دواوير تالوين والجماعات القروية المحيطة بها، كما ان هذا التاريخ محفوظ في ذاكرة المسنين و كل ابناء هذه الدواوير الذين يشدون الرحال الى مسقط راسهم لحضور هذا الطقس الثقافي الجميل، والغالب ان سبب اختيار هذا التاريخ بالضبط  يرجع لأسباب تاريخية واخرى ثقافية من ابرزها ان الساكنة تعتمد في الغالب على الفلاحة التقليدية المعيشية فيقيم ساكنة الدوار او القبيلة حفلا بعد جمع المنتوجات والحصاد يتوج مجهودهم الذي بدلوه طيلة السنة وينفقون بعض منهم كزيارات للموسم بعدها توزع على الفقراء والمحتاجين او يتم بيعها في المزاد العلني اثناء او بعد انتهاء موسم الرما… كما له ارتباط تاريخي متعلق بكون فصل الصيف فصل الراحة والاستجمام والاحتفال كما جرت بذلك العادات والاعراف.
فقبل موعد الرما بشهر ونيف تعتزم فئة من الساكنة التي لها اهتمام بإحياء هذا التراث وغالبا ما يكون اكثرهم من الشباب معززين بعض الرجال الكبار في السن الذين لهم تجربة وزاد في التنظيم والتسيير فيعلنون عن عقد اجتماع غالبا ما يكون في بيت الجماعة او تكمي نرما او في بيت احد رجالات الدوار الذي يستقبلهم بحفاوة وترحيب،  اما توقيت هذا الاجتماع غالبا ما يكون بعد صلاة العشاء لكون اهل الدوار انداك قد انتهى كل واحد منهم من اعماله اليومية وانشغالاته ، ويعتبر هذا الاجتماع  فيما مضى مناسبة  لتبادل وجهات النظر في قضايا مختلفة تهم الشأن العام للقبيلة والقضايا ذات الاهتمام المشترك من قبيل  محاربة الرعي الجائر و تنظيم مراحل جمع الغلة السنوية والسقي بالتناوب، وفي حالة اقتراب موعد الاقتراع او الانتخابات الجماعية يتم اقتراح مرشح يمثل الدوار في المجلس الجماعي يتم انتدابه من طرف الساكنة لكن غالبا ما يتم اخد اراء دوي الجاه ومن لهم مكانة اجتماعية مرموقة في اقتراحه، مع صياغة ملف مطلبي شفوي يسعى هذا المرشح من اجل الدفاع عنه في المجلس، والجميل في الامر ان طريقة انتخابه يتم عن طريق اقتراحه من طرف الساكنة ولا احد يرشح نفسه ويشترط ان تتوفر فيه الخبرة الكافية في التسيير وان يتحقق فيه شرط العدالة  والوقار بالمفهوم الفقهي للكلمة- اي ان لا يأتي الكبائر وان يتقي الله في الصغائر- ويتم ايضا خلال هذا الجمع سن مجموعة من القوانين العرفية او ما يسمى “ازاين” من اجل حماية الغلة الصيفية من الفواكه والخضر وجميع ما تنتجه الارض في فصل الصيف، وتجدر الاشارة الى ان لهذه الاعراف الامازيغية مكانة في التشريع المغربي سابقا، لكوننا حينما نرجع الى التنظيم القضائي المغربي سواء قبل الاستعمار واثنائه وبعده نجد حضورا قويا لهذه الاعراف التي يحكم بها قاضي الجماعة، وكان لها انتشار كبير  في قبائل ايت باعمران وكانت تسمى “انفلاس” ويتم العمل بهذه الاعراف شريطة الا تكون مخالفة للنظام العام ولأحكام الشريعة الاسلامية،[3]ومن بين القضايا التي يتم مناقشتها ايضا جمع التبرعات في حالة وجود حالات اجتماعية تحتاج الى المساعدة، ويتم في نهاية هذا  الجمع مناقشة الامور التي تهم الموسم الثقافي الرما لكونه مناسبة للفرح والاستمتاع بأجواء الصيف، غير انه من بين القضايا التي تستغرق وقتا طويلا يتم من خلاله  انتداب لجنة تتكلف بالأمور التحضيرية  للموسم ويشترط ان يكونوا  من ذوي الخبرة والتجربة في التنظيم لتكثيف اتصالاتهم من اجل جمع  التبرعات قبل موسم الرما كل حسب استطاعته مع اعفاء الفقراء ودوي الدخل المحدود دون اقصائهم من الحضور لموعد الرما، اما الان في عصر العولمة الذي يشهد اندثار تلك الاعراف التقليدية الامازيغية خصوصا في المناطق التي اكتسحها الاسمنت فتحولت الى مناطق شبه حضرية، خصوصا في دواوير تالوين ، فاصبح  هذا الجمع يقتصر على مناقشة القضايا التنظيمية لموسم الرما، وفي النادر  يتم اثارة بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك، من طرف بعض الدواوير من قبيل دوار تاكركوست، وغيرها من الدواوير المحيطة  بجماعة تاسوسفي. وما ان يتم الاتفاق على موعد الرما الا وينتشر  في الدوار انتشار النار في الهشيم، ويصل الخبر الى كل فج عميق نظرا للمكانة السامية التي يحتلها هذا الموسم في نفوس اهل الدوار. فالمتمعن في هذا الاجتماع يجد انه يحمل في طياته مجموعة من الدلالات لعل اهمها خلق جو من السلم الاجتماعي التوافق والاحترام  علاوة على التعاون والتضامن بين جميع ساكنة الدوار.
وبعدها تتفرغ اللجة المكلفة بموسم الرما بجمع التبرعات وتكثيف الاتصالات من اجل اعداد برنامج متميز ومتنوع، واول شي يشتت دهن هذه اللجة في بعض الدواوير هو الحصول على مبلغ كاف لشراء الدبيحة، غير ان هذا موجود في البعض الاخر، ففي دوار تابيا مثلا  غالبا ما يتبقى جزء لابأس به من المال بعد انتهاء الموسم يتم تسليم هذا المبلغ الى شخص له مكانة اجتماعية ومعروف بصرامته وعدالته، في يوم يسمى   “اس ن لحساب” -الذي لنا عودة اليه فيما بعد-، لحفظه على ان يرده في الموسم المقبل بدون زيادة ولا نقصان، وله الحرية في ان يستعمله في شوؤن حياته، لكن الشرط الاساسي ان يرجعه في الوقت المناسب والمحدد، وفي هذا الفعل ايضا دلالة على التعاون والثقة المتبادلة بين افراد الدوار، وبعد ان يطمأن الجميع على وجود الدبيحة، الا ويسارع اعضاء هذه اللجنة وغيرهم  للاتصال بالفرق المحلية التقليدية “احواش” التي ستحيي ليالي هذا الموسم الثقافي والشعراء -الروايس- الذين سيتحفون الجمهور بقصائدهم- تيمديازين- الارتجالية وبجدالهم الشعري الموزون الذي يحوم حول المواضيع الاقتصادية والسياسية والثقافية، وما ان تسمع بوجود الرايس ايحيا والا وتتمنى ان يكون الرايس اجماع موجدا وحاضرا بقوة بجانيه حتى تشتد المواجهة وتكتمل الفرجة، وغيرها من الفرق التقليدية من قبيل اسمكان…، غير ان هذا الامر يكون عسيرا خصوصا في فصل الصيف حيث يكون الاقبال واسعا على هذه الفرقة المحلية ما لم الاتصال بها وتحديد الموعد معها قبل اليوم الموعود بشهر ونيف تقريبا،
الى حد الان لم نرى حضورا للمرأة في هذا الموسم الثقافي، فعبى غرار اللجنة المكلفة بجمع المساهمات لدى الرجال تحصص لجن اخرى من الفتيات” تبعالين” يوسعن اتصلاتهن من اجل جمع تبرعات الهدية لدى فتيات الدوار كما تخصص هذه التبرعات من اجل اعداد اطباق متنوعة من الحلويات التي تقدم للضيوف والوافدين على الموسم وكذلك لكل ابناء الدوار المشاركين في الرما، كما لا ننسى النساء اللاتي تعملن خلف الستار  وهن جنديات الخفاء ان صح التعبير، فلن يراهن الا من كان من المنظمين من الدرجة الاولى فهن يقفلن النهار ويوصلنه بالليل من اجل اعداد الطعام للضيوف والوافدين من الدواوير الاخرى وابناء الدوار والفقراء والمحتاجين لكون اغلب ابناء الدوار يأكلون الوجبات الرسمية في “تيكمي نرما” فهؤلاء النساء اللاتي تلفح النار  وجوههن اغلبهن ماهرات في الطبخ والجميل في الامر انهن متطوعات  في الغالب، وقد حصل لي موقف مع احداهن في يوم احواش حيث ادت علي وقالت نادي لي من كان لم يأكل العشاء بعد حتى اقدم له العشاء لاننا نود ان نرى ونسمع ونشاهد احواش، وما كان جوابي الا ان قلت لها اعدي لنا “طاجينا” واحدا واذهبي فلم يبقى الا فرقة المسرح هي التي لا تأكل بعد. فحينئذ علمت ان لتلك النسوة دور كبير في انجاح هذا الثرات الثقافي، وفي تلك السنة بالضبط باردت اللجنة المنظمة الى تكريمهن تقديرا واعترافا بمجهوداتهم التي يبدلونها في انجاح الموسم.
فإذا جاء اليوم الموعود الذي يعتبر عيدا ثقافيا لذى الاطفال الصغار  بحيث يلبسون اجمل ما يملكون من ملابس ويضعون الدريهمات في جيوبهم، وترى البسمة في محياهم. فالكل يحضر اثناء الدبيحة حسب عادات سكان الدوار، و تتقاطر وفود الزوار من المدن المغربية ومن خارج ارض الوطن الى مكان انعقاد الموسم لان وقت انعقاده يكون محدد سلفا كما قلنا سابقا والاجمل ان اغلب ابناء القبيلة يشدون الرحال الى مسقط راسهم لحضور هذا الطقس الثقافي الجميل.
ولنا عودة في المقال المقبل لنتحدث عن الدبيحة و الرقصة الحربية الرما والحركات والهدية واحواش والمسرح
والانشطة الموازية لموسم الرما بشي من الايجاز والتركيز.
الكاتب: ذ_جمال فنزاوي
[1] انظر مقال منشور للباحث الحسن اعبا في موقع amazighworld.org
[2] لسان العرب لابن منظور ج14ص335
[3] انظر تاريخ القضاء بين الامس واليوم لاحمد العراقي والتنظيم القضائي المغربي للعبدلاوي
يتم التشغيل بواسطة Blogger.