Header Ads

بلمو يدعو إلى نبذ تصنيف القروي مواطنا من درجة "حمار"

بلمو يدعو إلى نبذ تصنيف القروي مواطنا من درجة "حمار"
قبل أيام فاجئني عدد من الزملاء الصحافيين بسؤال عن موقفي من حادث اغتصاب قاصري أحد دواوير سيدي قاسم لحمارة، باعتباري مدير مهرجان يحتفي بالحمير...

كان جوابي التلقائي غير دقيق، لسبب بسيط أنني لم أكن قد اطلعت على تفاصيل الحادث وسيل التعاليق التي انهالت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأغلبها تافه ومجرد سخرية عبثية وإطلاق الكلام على عواهنه. فالأمر هنا لا يتعلق بضحية واحدة هي الحمارة التي تعرضت للاغتصاب، بل إن الأطفال القرويين الذين قاموا بفعل الاغتصاب هم أول وأهم الضحايا، كيف ذلك؟

لنلاحظ معا أن الفترة التي وقعت فيها الواقعة تدخل ضمن موسم التخييم ببلادنا، وقطعا فإن الأطفال المعنيين لم يستفيدوا من التخييم، ولم يفكر أحد في أن لهم الحق في ذلك، ودون أن نقوم ببحث عبثي عن نسبة الأطفال القرويين الذين يستفيدون من التخييم ببلادنا، فإن المؤكد أن الأغلبية الساحقة منهم لا تستفيد مثل أطفال المدن.

نصيب أطفال البادية المغربية خلال موسم الصيف يكون هو العمل المضني في السهول والشعاب تحت الشمس الحارقة، عوض أن يكون هو الترفيه والتربية تحت شمس الشواطئ المغرية، وعوض أن يكون هؤلاء الأطفال رفقة مربيين وأطر يفجرون طاقاتهم ويطورون مكتسباتهم، فإن رفقتهم تكون مع الحمير والأبقار والأغنام والكلاب...،

ولا يزورهم الأهالي والمسؤولون وعيون الكاميرات، كما يحدث لإخوانهم في المخيمات الصيفية الظليلة، بل تزورهم الأفاعي والعقارب في فيافي القيظ الموحشة، وكم منهم مات بلسعة أفعى أو عقرب، وكم منهم تعوق بسقوط من على ظهر بغل، أو بسبب نطحة ثور، أو انزلاق من حافة.

ثم لنتساءل، كيف أن كل تلك الأخبار والفيديوهات التي انتشرت حول الحادثة لا نجد فيها صورة واحدة لـ"الدوار" الذي يقطن فيه هؤلاء الكادحين، كما لو كان تجمعا سكنيا شبحا؟

الحقيقة أن دوار "الماكر" – ويا له من مكر الصدف- لا يختلف كثيرا عن باقي دواوير المغرب، وهي مجموعة من المساكن الطينية البسيطة الواطئة أو المعلقة في تضاريس المغرب المنسي، إنها مساكن غير لائقة بكل المقاييس؛ لذلك بالضبط تم إطلاق تسمية دوار على المدن القصديرية التي نمت كالفطر في حواضرنا: دوار لاحونا، دوار المساخيط، دوار العاطي الله....

لكن دواوير المدن تعتبر سكنا غير لائق، وترصد الحكومة منذ سنوات ميزانيات مهمة من أجل القضاء عليها، أما دواويرنا المنسية في "العالم القروي" فلا تعتبر سكنا غير لائق ولا يتم اعتماد أي ميزانيات تذكر للقضاء عليها، وعلينا أن نتحمل بعزيمة قوية صعوبة الوصول إليها وبؤس ساكنتها الذي لا يستطيع جمال الطبيعة المحيط بها إخفاء علاماته البارزة.

هؤلاء الأطفال لا حق لهم في التخييم، ولا تتوفر لهم أية فضاءات للترفيه والرياضة والثقافة، وإذا توفرت لهم شبه مدرسة وشبه مستوصف على بعد كيلومترات عدة، فهم محظوظون جدا، أما الباقي فهم ليسوا في حاجة له.

هذا هو منطق تعاملنا الحقيقي مع المواطن القروي ببلادنا طفلا كان أو امرأة أو رجلا؛ لأن هناك تواطؤا غير معلن ضد سكان البادية، تشارك فيه أجهزة الدولة والأحزاب السياسية والجماعات الترابية ومنظمات المجتمع المدني والنخبة المثقفة، بما فيها تلك التي ولدت وترعرعت هناك في قرى ومداشر ودواوير المغرب المنسي، والتي أصبحت علاقتها بباديتها مجرد علاقة نوستالجية سياحية لا فائدة منها.

وهذا التواطؤ يجسده في الواقع التعامل مع الإنسان القروي باعتباره "مواطنا من درجة ثانية"؛ لذلك فسكنه "لائق" رغم أنه غير لائق لأخيه "الحضري"، وهو لا يحتاج إلا لشبه طريق وشبه مدرسة وشبه مستوصف، فقط، أما فضاءات الترفيه والمكتبة والمسرح والملعب، فلا حاجة له بها.

إن الواقع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا نعتبر المواطن القروي دون المواطن الحضري، وما يحتاجه الأول هو مجرد جزء بسيط مما يحتاجه الثاني. فالقروي يكفيه شظف العيش؛ لأنه أمي وبليد وعروبي، يصلح فقط للحرث والزرع والرعي "وجه تمارا"، كما يصلح للسخرية والتندر وتأثيث النكت التمييزية البليدة تماما مثله مثل رفيقه الحمار.

وعندما تدنوا مواسم الديمقراطية المفترى عليها يسوقه الإقطاعيون المتسلطون إلى مكاتب التصويت كقطعان الماشية، ومن اختار غير ذلك فويل له من شر الانتقام، وعندما تداهمه الفيضانات والصقيع، نلم له ملابسنا البالية وبعض الأغطية وفتات المواد الغذائية ونوزعها عليه محفوفة بالكثير من الصور والضجيج والتضامن الكاذب.

علينا أن نعترف، دولة وأحزابا ومجتمعا مدنيا ونخبة مثقفة، بأننا لا زلنا ومنذ فجر الاستقلال نتعامل مع المغاربة القرويين كمواطنين من درجة ثانية، أو على الأصح كمواطنين من درجة "حمار"؛ فنجني بذلك عليهم وعلى مستقبلهم كما نجني على بلادنا ومستقبلنا.

لقد كان ذلك هو السبب الرئيسي في ارتفاع الهجرة القروية منذ سبعينيات القرن الماضي، وغزو البناءات القصديرية لمدننا الكبيرة وترييفها وتهجينها، مما أفرز الكثير من الظواهر السلبية التي تحد من نمو وتطور مجتمعنا، وتجعله يعاني من الأعطاب الكثيرة، كما يعاني من ارتفاع مهول لمعدلات الجريمة والانحراف، ومظاهر التخلف والنكوص والتطرف، رغم كل ما يبذل من جهود ويصرف من ميزانيات.

وعلينا كذلك أن نقتنع بأن الوقت قد حان، إن لم يكن قد فات، لإعادة الاعتبار للمواطن القروي وتمكينه من كل حقوقه ومتطلبات عيشه الكريم، وتمكينه من الاستقرار، بل وتشجيع الذين هاجروا على العودة، والكف عن التعامل معه كمواطن من درجة ثانية أو من درجة "حمار"، إذا كنا نريد حقا تحقيق المساواة والإنصاف وتمكين بلادنا ومجتمعنا من شروط التنمية والتقدم والرخاء. أما بدون ذلك، فستبقى آمالنا وطموحاتنا مجرد أضغاث أحلام.

فالقروي، والطفل منه بالأساس، ليس في حاجة إلى العمل الإحساني، ولا إلى التعاطف الموسمي العابر، بل هو في حاجة إلى العيش الكريم كمواطن كامل المواطنة دون تمييز بينه وبين أخيه الحضري، إنه في حاجة إلى من يعلمه كيف يصطاد، وليس من يعطيه سمكة فاسدة ليلتقط معه صورة كاذبة للدعاية فقط، كما يفعل الكثير من السياسيين ونجوم الشاشة.

بوادينا وقرانا، مداشرنا ودواويرنا وقصباتنا، في حاجة أيضا إلى البنيات التحتية مثل المدن، من الطرق والقناطر إلى الربط بشبكة الانترنيت، مرورا عبر المدرسة والمستشفى والمكتبة والملعب والمسرح، هي في حاجة أيضا إلى الاستثمار وبنيات الاستقبال، لتأهيلها وإدماجها في الخارطة السياحية، من أجل ضمان دخل آخر للمواطن القروي بجانب الفلاحة، والمساهمة فعلا في ربح بلادنا لرهانها على مستوى هذا القطاع.

الطفل القروي الذي إذا توفرت له مدرسة للتعلم، فهي في الغالب من النوع الذي يكرس الموقف التمييزي الذي يعتبره مواطنا من درجة ثانية، أي مدرسة من النوع المتواضع جدا والرديء من ناحية الجودة والفقير من ناحية التجهيز والتأطير، أي ذلك النوع الذي يُنَفِّر ُالطفل ويشجعه على الانقطاع والهروب، وليس على المواصلة والاستمرار والكد والاجتهاد. ومع ذلك، فهذا الطفل يبقى مقصيا من فضاءات الترفيه والتخييم، حيث يمكنه إبراز قدراته وتفجير طاقاته، ويبقى مقصيا من الرحلات والسفريات والمنافسات المخصصة للطفولة والشباب، جهوية كانت أو وطنية أو دولية، وكل تلك التظاهرات التي تؤدَى تكاليفها من ميزانية الدولة التي ينتمي إليها.

فهل كان من الضروري وقوع حادثة أطفال دوار "الماكر"، كي تستفيق أسرهم التي ألفت أن تلد أطفالا يتكفل الله برزقهم، وطموحها فقط أن يكبروا قليلا، ليعينوها في أشغال الفلاحة المضنية، وتسد بذلك ثقبا في جدار حياة صعبة؟

هل كان ذلك ضروريا كي تتحرك السلطات الإدارية والصحية من غفلتها لتعتني فجأة بصحتهم؟ وهل كان ذلك ضروريا كي ينتبه أغلب إعلامنا إلى هذا الدوار غير "الماكر"، ما دام الخبر يتوفر على عنصر الإثارة والغرابة والفضائحية، وليس لأنه يتعلق بمواطنين محترمين وقطعة محترمة من الوطن؟ وأخيرا هل كان ذلك ضروريا كي يشحذ "فيسبوكيو" الشماتة و"العياقة" ألسنتهم الجبانة تشفيا وتحقيرا وسخرية سخيفة في حق الأطفال والحمارة معا؟

لنكف عن اعتبار القروي مواطنا من درجة "حمار".

* شاعر مغربي ومدير مهرجان يحتفي بالحمير

يتم التشغيل بواسطة Blogger.