ويظهر من خلال قراءة واقعنا  أن المكلفين أخلاقيا وثقافيا من علماء ومثقفين وساسة  بإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور  , ومن الضلالة إلى الهدى  , ومن الظلامية إلى التنويرية والتقدمية  قد وجدوا صعوبة  أو لم تعد لهم القدرة على اقناع الناس بأن الواجب والفرض والتكليف  أحيانا يسقط ويعطل  إذا تعذر القيام به أو ينتج عنه ضرر أو هلاك ..مثل صيام المريض لرمضان ..والحج للذي يعاني فقرا أو لغياب الأمن ..وإخراج الزكاة  لمن أصابه فقر بعد غنى ..هذا فيما يخص الاركان فكيف ببعض السنن ..؟ وكذلك هو الشأن في السياسات العمومية والتشريعات الوضعية التي تصبح سببا في تعطيل وعرقلة المصالح الخاصة في تكامل مع المصالح العامة ..او  تكون لها علاقة  مباشرة او غير مباشرة فيما يعانيهويشتكي منه  ويتخبط فيه  الفقراء والمساكين وكل ذوي الدخل المحدود  ..وحتى الاغنياء ..
…فعندما يكون الجميع معنيا فإنهم مدعوون لإعادة قراءة ذواتهم وأنفسهم وسياساتهم  ومناهج عملهم وإخضاعها للنقد والتأهيل والإصلاح والتقوية حتى تكون في مستوى الحدث واللحظة والمهام والإنتظارات وفق الإستطاعة بطبيعة الحال …
..إن الدراسات الإقتصادية والإجتماعية والإحصائيات الرسمية  المتوفرة للجميع والتي تكشف مستويات الفقر والهشاشة وعمق الأزمة وحتى أسبابها  تمكن  كل مسؤول أو مطلع    أن يعرف ويلمس ويحس  بأسباب  ونتائج وحياة الفقر والبطالة ومسببات الفتنة   , فإن تعطلنا او تلكأنا او تجنبنا  القيام بالتغيير والإصلاح  الممكن للمعالجة والوقاية من الاسوأ   فذلك تهور وانتحار وأنانية مفرطة لحد العدمية وإختلال ما بعده إختلال في الأخلاق والعزائم والسياسات ..
…إن الطبقة العاملة وفئات هامة من الشغيلة والكادحين  يضحون طوال أيام السنة بزبدة حياتهم المهنية  حيث يتقاضون أجرة محدودة إلى ضعيفة ..كما أنهم  يضحون  بالوقت الذي يستغرق منه العمل أحيانا  أكثر من 10 ساعات وزيادة  ..كما يضحون  بالعديد من الضروريات لمصلحة الأسرة لتحقيق بعض التوازن الشكلي والوهمي .. كما يضحون بالراحة اللازمة والسكن الملائم …كل هذا وهم يساءلون ويحاسبون ومعرضون لفقدان الشغل , وقد يرهنون بعقود وإتفاقيات اذعانية  قد تشعرهم بالدونية وقد ترهن وتضيع إستقرارهم ..
..إن التضحية المطلوبة عقلا وشرعا هي بأفق  وعلى قاعدة  إغناء الفقراء والطبقات الوسطى  حتى  يخرجوا من دائرة الفقر والخصاص والأزمات المالية والإجتماعية ويصبحوا حلقة أساسية في التنمية  والعطاء والانتاج ..وهذا لن يتم إلا بعدالة  في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية  التي يفترض أن تقدمها الحكومات  وتجعلها واقعا حقيقيا تتجلى آثاره  في أوضاع الناس ومعاشهم وتعليمهم وسكنهم وصحتهم ..كما أن الاثرياء والاغنياء مسؤولون كذلك  ..
..إن إقرار شراكة للتضحيات بالتناسب مع مستويات العيش والدخل والثروة  ستعود بالخير والنفع على الجميع وستساهم في تحريك عجلة التنمية  بتنشيط القدرة الشرائية لعامة الناس التي تعود بشكل او بآخر  بالفضل للممتلكين لوسائل الانتاج والدولة  في اطار الدورة الحكيمة للاقتصاد   ..
إن للتضحية تجليات وصيغ متعددة يقدم عليها العديد من الناس  من أجل تحقيق أهداف ومقاصد  معنوية وروحية وأحيانا مادية أعلاها التضحية بالنفس , والتي لا تختص بها أمة دون أخرى أو دين دون آخر , إنها ثقافة مشتركة وتفسير وفهم  يتأرجح بين الإتفاق والإختلاف  بين كل الامم بتنوعهم  الفكري و العقدي ..فكل المضحين بأرواحهم  بالعالم عبر التاريخ للدفاع عن الحرية والعدالة والإستقلال في مواجهة الطغيان والظلم لهم مكانة ورمزية كبيرة لايمكن لأي كان أن يتجاهلها   , ولن يفلح كل المسيئين  والمتاولين الكذبة والمتعسفين عبر التاريخ في الحط من قيمتهم , وفي بلادنا شهداء وشهيدات  رووا بدمائهم كل بقاع الوطن شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ووسطا من أجل  إستقلالنا وحريتنا وكرامتنا وتقدمنا وازدهارنا   ..فالذين لايحترمون خيرة أبناء الوطن من شهداء وأبطال عظام “منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا “ويسعون إلى محوهم   من الذاكرة المعاصرة أو المستقبلية  يقدمون على  فعل يعتبر أخس وأبشع سلوك  حيث “التضحية” فيه  بالتاريخ المشرق والأبطال الأعلام وأساتذة المعارف والعلوم و الأخلاق والإيثار في مقابل تعميم التجهيل والخرافات والتضليل والتضبيع وصنع بشر كفزاعات من ورق مهترئ كبدائل لاخير فيها …
قال تعالى : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً )سورة العنكبوت
وقال تعالى : ((ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)سورة الحشر.
قال صلى الله عليه وسلم ((لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) رواه البخاري ومسلم