Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
آخر الأخبار
جاري التحميل ...

إفلاس التعليم العام بالمغرب

محمد بودويك
(على هامش جلد الأساتذة)

كأننا لم نكن ننتظر إلا ما وقع أخيرا، ويقع الآن بوتيرة مطردة ومتنامية، نقف إزاءها ـ معنيين وغير معنيين ـ حيارى، تعقد الدهشة ألسنتنا، ويلجمنا الخرس، فلا نحير جوابا. لقد وصل السيل الزبى كما يقال. وها نحن في مشهد غريب، مقزز يدعو إلى الحزن والحسرة واللوعة، نتابع ـ كأنما في شريط سينمائي ـ جَلْدَ وتشويه أوجه الأساتذة والأستاذات في المغرب الذي هو أحسن بلد في العالم كما تهذي بعض الأطراف الإعلامية تكريسا للكذب، وطمس الحقائق الصارخة، وقبر الواقع المتردي: واقع السياسة والثقافة والاقتصاد والتعليم بالبلاد.

وليس سرا أن نقول بأن ما يحدث الآن في المدرسة المغربية، وبالتحديد العمومية الحكومية، ماهو إلا ثمرة إفلاس تام تعرفه المنظومة التربوية على كافة المستويات، وفي جميع الأطوار والأسلاك.

ففي مجتمع لم يعد فيه من مكان محترم، وتقدير للمعلم، لا يمكن إلا أن يحدث ما حدث، وقد نتوقع الأكثر سوءا وشرا. فالمعلم بإطلاق أصبح دريئة للتنقيص والتبكيت والتنكيت والسخرية والتهكم من لدن وجوه في المجتمع، وجوه محسوبة على وظائف أخرى، ومهن مغايرة ترى في التعليم ملجأ لأشباه " المتسولين "، وأبناء الفقراء المنحدرين من المداشر والقرى بما هم إفراز طبقي ظالم وغاشم لوضعية سوسيو اقتصادية هشة، ووضعية سوسيو ثقافية مترنحة وماضوية. كما أصبح هدفا مقصودا للسلخ والمسخ والإذلال والتمريغ في عرض الشوارع والساحات عند الإضرابات أو الاعتصامات، أو المطالبة برفع قوانين أو مراسيم جائرة، صدرت في حق المربين، في حق المعلم حامل الرسالة النبيلة الشريفة التي تدافع عن قيم ومُثُلٍ عليا، من خلاله وعبره.

وهل من نبل وشرف نحمل كمربين ومعلمين، وأبناؤنا.. تلاميذنا يسوموننا فنون العذاب والتنكيل، ويتفنون في إبداع أحقر وأشنع وأحط النكات، و" اللطائف "، في حقنا ؟.

ما من نُبْلٍ يبقى، وصاحب المهنة " النبيلة " هذه، تمرغ كرامته، وتستهجن مهنته، وتستحقر مهمته، ويرمى بكل أشكال وصيغ التبخيس والإهانة.

لقد صعقت ـ كما تكونون قد صعقتم مثلي ـ وأنا " أتفرج "، والألم يعتصر قلبي، على أستاذ بورزازات يجلد، ويُسْقَطُ أرضا ليشبعه مراهق مأفون، ضربا ورفسا ودوسا، كأنه يسوي ببلطة حذائه، مع الأرض، فأرا أو حية. وازددت صعقا، وأنا أرى زملاء التلميذ المعتدي الصائل الجائل على جسد أستاذه، يتابعون " المَا تْشْ "، وما يجري على أرضية " الحلبة "، في حياد تام، وبرودة رهيبة، بل ومؤامرة خسيسة دنيئة ضد من قال فيه شوقي:

قم للمعلم وَفِّهِ التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا

وعلا استنكاري، وازداد منسوب ألمي وحزني وحنقي، وأنا أرى ـ كما رأيتم جميعا ـ أستاذة بالدار البيضاء تستباح فتتعرض لهجمة بالسلاح الأبيض على مستوى فكها، من قِبَلِ تلميذها الذي ترصد لها، وفتك بها في مشهد إجرامي قذر مخيف. بل إن شعوري وفكري وجماع كياني المتضامن مع الأستاذة الضحية، ارْتَجَّ أكثر، وزُلْزِلَ زلزالا، حين تابعت مواقف وآراء زملاء التلميذ المعتدي المُشَرْمِل وهم يشيدون ـ تباعا ـ ببطولته،

وبراءته، وأخلاقه، وحسن انتقامه وضرورة ذلك، لأن الأستاذة " صْعيبَة "، وقفت ضد عودته إلى متابعة دروسه، والبقاء بنفس المؤسسة لأسباب موضوعية صادق عليها المجلس الداخلي للمؤسسة ( مجلس التاديب أو الانضباط ).

أبعد هذا، نتحدث عن المعلم المحترم، معلم الأجيال، الأب الرمزي والروحي للتلاميذ، والقدوة الحسنة في الأخلاق والسلوك القويم، النموذج " المثالي " الذي ينبغي أن نتخذه نبراسا في مسيرنا ومسارنا، وحياتنا المهنية والعملية مستقبلا؟.

أبعد هذا؟ نستعيد " أدبيات "، ( حامضة )، بائتة، عفنة، غير ذات معنى، لا قيمة لها بتاتا، ولا وجود لها على أرض الواقع، لأنها لم تتبلور مطلقا على رغم الدعاية الإعلامية الوزيرية القطاعية والحكومية، وعلى رغم ما عقد لها من منتديات ولقاءات مركزية وجهوية، وإقليمية، وما صُرِفَ فيها وأثناءها من مال عَرَمْرَم، ذهب أدراج الرياح، بل أدراج الجيوب في التعويضات الجزافية المختلفة، والمآدب والولائم الضخمة الحاتمية التي تسيل اللعاب، وتفتح الشهية للعلائق والصحاب. أقصد أدبيات، وشعارات جوفاء فارغة طنانة كمثل: " مدرسة النجاح "، وترسيخ السلوك المدني، والتربية على المواطنة، وتمهير وتنمية الكفايات لدى المتعلمين، والحال أن التمهير والقدرات، والكفايات المفترى عليها، إنما تعرف طريقها إلى التطبيق العملي، والإنجاز الفعلي السريع والناجح في تخريب ممتلكات المؤسسات العمومية، وسلخ وتشويه أوجه نساء ورجال التعليم، وإشباعهم لكما وضربا وركلا وشتما.؟.

وفي نظري، فإننا ما لم نُحِلْ مثل هؤلاء التلاميذ " المخبولين " ذوي القُنْزُعاتِ الشَّعْرية الغريبة والمضحكة، على القضاء ليقول كلمة العدل فيهم أو القصاص منهم، والتي لا أقل في تقديري ومنتظري، من أن تضعهم وراء القضبان إذ تبعدهم عن حرمة المؤسسات التربوية من حيث إعادة تأهيلهم وتعليمهم وتلقينهم حرفة أو مهنة يدوية، وفسح المجال أمامهم لمواصلة تحصيلهم الدراسي داخل السجون في ظروف " إنسانية " لائقة بالأحداث الجانحين، مالم نسارع إلى تحريك المتابعة القضائية " المنصفة " في حقهم، فإننا سنَصْلى الأسوء والشر المستطير في قادم الأيام والأعوام.

أما ما ينبغي القيام به، تحصينا للمؤسسة التعليمية، وصونا لكرامة من يشتغل بها، فوجوب إحاطة الأستاذات والأساتذة بالحراسة خارج المؤسسات عند الخروج. ما يعني تسويرها بالأمن المطلوب، وتبعيدا، في الوقت نفسه، للباعة المتجولين المروجين لأنواع وأشكال القرقوبي، والمخدرات، والخمور، وللمتحرشين المترصدين للتلميذات، بالسيارات، أو بدونها.

كما يتعين أن تقوم الدولة بدورها السياسي والثقافي والسيادي التدخلي، في الأول والأخير، من أجل إنقاذ التعليم إنسانا وفضاء في الحاضر والمستقبل.، قبل أن تطم الطامة، ويتفاقم العنف، والغش، والتبخيس، والأمية، والجريمة، والسقوط المدوي في وهدة الخوف والفتنة والتخلف.

وفي كل هذا وغيره، إنما ننطلق من تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة، كما نص على ذلك المناضل والمفكر الماركسي الكبيرغرامشي.

عن الكاتب

الوطنية 24

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية