Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
آخر الأخبار
جاري التحميل ...

منطق النظام الحاكم في المغرب .. الإشعاع الملكي والظل السياسي

منطق النظام الحاكم في المغرب .. الإشعاع الملكي والظل السياسي

منطق النظام الحاكم في المغرب .. الإشعاع الملكي والظل السياسي

د.محمد شقير

كرّس المؤتمر الوطني الثامن لحزب العدالة والتنمية تواري عبد الإله بنكيران، الأمين العام لهذه الهيئة، إلى خلفية المشهد السياسي بعدما أقيل من رئاسة الحكومة ببلاغ ملكي. فعلى الرغم من تشبث مناصريه بتجديد رئاسته للحزب لولاية ثالثة، فإن التخوف من مواجهة مباشرة مع الرغبة الملكية كان عاملا حاسما في توقيف مسار هذه الشخصية السياسية التي ملأت المشهد السياسي.

إن مصير بنكيران لا يختلف عن مصير الكثير من الزعماء والشخصيات السياسية؛ أمثال عبد الرحمان اليوسفي الذي تمت إقالته بعد إتمام مهمته في تسهيل عملية الخلافة على العرش السلس للعرش، وكذا علال الفاسي الذي اكتسب شعبيته من خلال منفاه بالغابون في منافسة لمنفى الملك محمد بن يوسف وعائلته الملكية، والمهدي بنبركة الذي ارتبط اسمه بطريق الوحدة في منافسة لولي العهد آنذاك الذي حاولت أن تطغى صورته وهو يدفع عربة الإسمنت ومحاولته في ألا يتقلد هذا الزعيم وزارة التربية والتعليم وتنفيذ تصوره الخاص بشأن إصلاح ورش التعليم، أو عبد الله إبراهيم الذي كان أول رئيس حكومة حاول أن ينافس الملك في بلورة سياسة خارجية مستقلة. إن منطق الحكم بالمغرب لا يقبل بوجود زعماء سياسيين أو أمراء مستقلين إلى جانب الملك.



منطق الحكم الفردي

تميز التاريخ السياسي للمغرب بتعاقب الأسر الحاكمة على تدبير السلطة؛ لكن في منظومة سياسية مغلقة لا تقبل التعدد، إذ إن صعود أسرة إلى الحكم يقوم بالأساس إلى تصفية أمراء الأسرة المنافسة. ولعل ما تداوله الإخباريون حول إشفاق عبد المومن من قتل آخر الأمراء المرابطين وتدخل الشيوخ لثنيه عن هذه الخطوة من خلال إشارتهم السياسية المعبرة إلى أن ترك الأمير تاشفين على قيد الحياة هو نوع من تربية السبوعة التي يمكن أن يهدد ملك الموحدين. ولعل رمزية السبع، الذي يعدّ من الحيوانات المفترسة التي لا تقبل بأي شريك أو منافس بمجالها، لتعكس المنطق السياسي الذي كان يتحكم دائما في منظومة الحكم بالمغرب؛ وهو ما يفسر أن تشكل صورة هذا الحيوان أحد الرموز السياسية للمملكة بالمغرب.

وبالتالي، فقد تحكم هذا المنطق نفسه في قضاء بني مرين على أسرة عبد المومن الموحدية، حيث أورد المؤرخ أحمد بن خالد الناصري بهذا الصدد بأنه: "بعد مقتل أبي دبوس، بويع إسحاق بن إبراهيم، أخو المرتضى، من طرف الموحدين الذين هربوا إلى تينمل؛ لكنه قبض عليه وجىء به إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق هو وابن عمه السيد أبو سعيد ابن أبي الربيع ووزيره القبائلي وأولاده فقتلوا جميعا، وانقرضت دولة بني عبد المومن من الأرض".

فوفق هذا المنطق السياسي، لم تكن الأسر الحاكمة هي التي تتصارع للقضاء على الأسر المنافسة؛ بل كان هذا المنطق هو الذي يسود حتى في تنافس أمراء الأسرة الحاكمة نفسه على العرش. ولعل هذا ما جعل التاريخ السياسي للمغرب حافلا بصراعات الأمراء على السلطة وحروبهم من أجل القضاء على إخوتهم، خاصة إذا ما أظهروا طموحا سياسيا في منافسة السلطان الحاكم؛ فقد كان التنافس على العرش شديدا، بحيث لم تكن تحسم عملية الخلافة على العرش في غالب الأحيان إلا بحد السيف.

إن البيعة لم تكن عملية قانونية وبروتوكولية؛ بل كانت بالأساس عملية سياسية وعسكرية غالبا ما تكون فيها الكلمة الأخيرة للمال وللسيف، إذ يتم استقطاب الأنصار والموالين من أهل الحل والعقد بالمال والمناصب وبالسيف يتم القضاء على الخصوم والمنافسين. لذا، فالبيعة عادة ما تكون عملية تستغرق وقتا طويلا حتى يتم إجماع كل أفراد العائلة المالكة على من سيتولى العرش. وقد ظهر هذا بالخصوص من خلال بيعة يوسف بن عبد المؤمن بن علي الموحدي، إذ "لما بويع بعد والده توقف عن بيعته ناس من أشياخ الموحدين، وامتنع عن بيعته أخواه: السيد أبو محمد صاحب بجاية، والسيد أبو عبد الله صاحب قرطبة. "وحتى في حالة تولي العرش؛ فإن الخليفة المبايع يبقى دائما متعرضا لتمرد أفراد أسرته عليه متحينين أية فرصة للإطاحة به. كان للمنصور الموحدي منافسون من أعمامه وإخواته يتحينون الفرصة للثورة عليه، لذا فبعد سماع هزيمته بتونس في موقعة غمرة حتى نهض أخوه عمر الرشيد وأكبر أبناء يوسف مع سليمان عمه، واقتسما العمل فيما بينهم؛ فكان الأول يثير سكان الأندلس، حيث كان واليا على شرقها ومستقرا بمرسية، وتكلف سليمان بجمع قوة في العدوة نظرا لأنه كان واليا على ناحية تادلا، لكنهما فشلا في ذلك. كما أنه "بعد ما مرض المنصور بتلمسان أخذ منافسوه يتشوفون إلى العرش، وعلى رأسهم أخوه يحيى والي الأندلس، بحيث بدأ يدعو لنفسه ويجبر الأشياخ على مبايعته (....) لكن بعد استرداده لصحته التقى بأخيه بسلا حيث سجنه بعد ما شهد أشياخ الأندلس بأن يحيى أكرههم على مبايعته، فأحضر أخاه وقال له: إني سأقتلك بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا بويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر منهما". وقد بقي هذا المنطق سائدا حتى في عهد السلاطين السعديين والعلويين، حيث رغم محاولة تثبيت نظام ولاية العهد، إلا أن ذلك لم يمنع من احتراب أبناء السلطانين المنصور الذهبي أو المولى إسماعيل حول العرش؛ وهو الشيء الذي كان له تأثير كبير على الاستقرار السياسي بالمغرب.

الظل الملكي

على الرغم من المنظور العصري لسلطات الحماية الفرنسية والاسبانية في تدبير الحكم بالمغرب، فإنها لم تنجح في تغيير المنطق السياسي الذي كان يتحكم فيه. فبعدما استعاد الملك محمد الخامس كافة السلطات التي كان يمارسها المقيم العام من سلطة تنفيذية وتشريعية وتمثيلية بالإضافة إلى سلطته الدينية، تم الإسراع في تكريس هذا المنطق من خلال منظومة قانونية عصرية تجسدت من خلال العهد الملكي لسنة 1958. وهكذا، نص هذا العهد على "أن سيادة البلاد تتجسم في الملك الذي هو الأمين والمحافظ عليها. بيده السلطة المطلقة والحكم النافذ ورثهما على أسلافه (...) للملك السلطة التشريعية الممثلة في الظهائر(....) وكذا في أقواله وأعماله وخطبه الرسمية (....) ويفوض الملك السلطة التنفيذية للحكومة (....). إن السلطة القضائية هي بيد جلالة الملك وقد يفوض فيها لقضاة تراقبهم الحكومة تحت النظر المباشر لوزير العدل (....) وتصدر الأحكام القضائية باسم جلالة الملك".

وبالتالي، تعتبر مقتضيات هذا العهد الملكي هي التكريس القانوني لمنظومة الحكم الملكي التي جسدت السلطة في شخص الملك؛ فنظام الحكم بالمغرب يعتبر نظاما وراثيا، تمركزيا، وشخصانيا، حيث إن الملك الذي يعتبر المحور الأساسي للنظام، يرث حكمه من سلفه وفق مقتضيات عرفية ودستورية ومراسيمية خاصة ليس فيها للشعب أي تأثير سوى المباركة والتهليل الشيء الذي يجعل من الملك يمركز كل السلطات بيده، فهو يسود ويحكم، ويتدخل في كل المجالات، حيث ليس هناك كما يقال عادة مجالات سياسية خاصة بالملك، بل إن كل المجالات هي من اختصاص الملك.

فالسلطة الحقيقية تتشخصن في الملك، حيث تصبح خطبه وتنقلاته، وتدشيناته، وصلواته، واحتفالاته، وتوجيهاته، وتعليماته مظاهر لهذه الشخصنة. ولعل صوره، ونقل أنشطته عبر وسائل الإعلام الرسمية، سمعية وبصرية، لتكرس بدون أدنى شك هذه الشخصنة. وبالتالي، فإذا كان القرب من الملك، وفق هذه المنظومة، يكتسي دورا أساسيا في اكتساب شخصيات معينة لسلطة خاصة، فإن ذلك لا يسمح بأن يغطي أو يحجب الإشعاع السياسي للملك. فالقرابة من الملك، من خلال الرابطة العائلية، من أم، وإخوان، وأخوات، وأعمام، وعمات، وخالات، وأبناء الأعمام والعمات والأصهار إذا كانت تمنح لهذه الشخصيات بعض الحظوة الرمزية والاجتماعية، فهي لا تمنح بالمقابل أية مكانة سياسية خاصة أو صلاحيات في التأثير على القرارات الملكية، أو تمتعهم بأية استقلالية عن سلطة الملك بما فيها تلك التي تهم حياتهم الخاصة أو الشخصية من زواج، أو تأبين... فتحرك هؤلاء الأمراء أو الأميرات عادة ما يتم دائما في ظل الملك وتحت إشرافه. فالأمراء والأميرات ليست لهم حرية الإدلاء بأية تصريحات صحافية، أو المشاركة في ندوات أو أنشطة عمومية باستثناء تلك التي يقومون فيها بالتمثيل الشخصي للملك من خلال تلاوة رسائله أو الحضور نيابة عنه في المؤتمرات الدولية أو الإقليمية .من غير ذلك، يقبع الأمراء والأميرات في مناطق الظل الملكي، ويتحركون في مساحات إشعاعه.

وهكذا، جرت العادة والأعراف المخزنية ألا يتقلد الأمراء والأميرات أية مناصب تهم تدبير الشأن السياسي أو الإداري أو العسكري لدواليب الدولة. فباستثناء تقلد أخت الملك الراحل الحسن الثاني سمو الأميرة للا عائشة لمنصب سفيرة في إحدى الدول الأوربية في بداية استقلال البلاد، وترؤسها لمؤسسة التعاون الوطني، وتقلد للا جمانة منصب سفيرة للمغرب بلندن ثم وواشنطن، فلم يسبق لأي من الأميرات تقلد أي منصب سياسي أو دبلوماسي سواء داخل المملكة أو خارجها ما عدا ترؤس بعض الجمعيات في المجال البيئي أو الاجتماعي أو الرياضي.

أما الأمير الراحل مولاي عبد الله، فقد اقتصرت حياته السياسية على تمثيل أخيه الملك الراحل الحسن الثاني في بعض المنتديات والمؤتمرات الدولية والإقليمية أو حضور مراسيم بعض الاحتفالات والمناسبات الوطنية لبعض الدول الشقيقة والصديقة. فبخلاف النظم الملكية لدول عربية أو أوربية وآسيوية، التي عادة ما تسند مناصب في الدولة لبعض أفراد العائلة الحاكمة، يتفرد النظام الملكي بالمغرب بانشغال أفراد العائلة الملكية بتدبير شؤون اقتصادية او تجارية بعيدة عن مجال السياسة. ويقتصر ظهورهم السياسي على مرافقة الملك في بعض رحلاته إلى الخارج أو ممارسة بعض أنشطته الدينية كحضور بعض الاحتفالات الدينية عيدي الفطر والأضحى أو الدروس الحسنية وغيرها.

الشعبية الملكية وإطفاء جذوة الزعامة السياسية

عادة ما تتوجس المؤسسة الملكية من أية زعامة سياسية قائمة أو محتملة قد تتجاوز الحدود المرسومة أو تؤثر على وهج الإشعاع السياسي للملك. وقد ظهر ذلك واضحا من خلال عملية التحرر السياسي للمغرب التي اتسمت بظهور مجموعة من الشخصيات السياسية التي تزعمت هذه الحركة التحررية إلى جانب الملكية التي كانت تخضع لسلطات الحماية.

وهكذا، برز مجموعة من الزعماء السياسيين كعلال الفاسي، ومحمد بلحسن الوزاني، والمهدي بنبركة، ومحمد البصري، ومحمد بنسعيد أيت إيدر وغيرهم؛ لكن يبدو أن شخصية علال الفاسي قد طغت لفترة ما على المشهد السياسي نظرا لانتسابه العائلي، وخصاله الفقهية والدينية ونضاله السياسي الذي أدى إلى نفيه إلى الغابون لفترة طويلة. وهذا أضفى عليه هالة رمزية وأكسبه شعبية سياسية، خاصة بعد نداءاته من القاهرة التي كانت تبثها إذاعة صوت العرب من القاهرة تذكر إلى حدما بنداء الجنرال دوكول من لندن التي كانت تحث على مقاومة المستعمر.

ولعل هذا ما دفع استراتيجيي المؤسسة الملكية إلى التوجس من امتدادات شعبية هذا الزعيم، حيث تم العمل على سحب هذا "البساط الرمزي" من الزعيم علال الفاسي من خلال التأكيد على رمزية نفي الملك محمد بن يوسف إلى جزيرة مدغشقر، وإضفاء هالة أسطورية على هذا النفي الملكي من خلال الإيحاء الشعبي بظهور صورة الملك محمد الخامس بالقمر. إلى جانب ربط رمزية ثورة الملك والشعب والعمليات الفدائية بتاريخ نفي الأسرة المالكة في غشت 1953.إلى جانب ذلك، فقد تم ربط توقيت استقلال البلاد بذكرى رجوع الملك إلى الوطن معلنا عن انتهاء "الحجر والحماية". في حين، تم بعد الاستقلال، تهميش الدور السياسي للزعيم علال الفاسي من خلال إسناد رئاسة حزب الاستقلال إلى شخصية أحمد بلافريج التي كانت لا تمتلك كاريزما الزعيم ولا تتوفر على كل الرصيد السياسي والإشعاعي الذي كانت تتميز به شخصية الزعيم علال الفاسي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تعيين بلافريج كأول وزير خارجية للمغرب المستقل في الوقت الذي لم يخصص للزعيم أي منصب وزاري سواء في الحكومتين اللتين ترأسهما البكاي أو تلك التي ترأسها بلافريج ذاته. وقد أدى الانشقاق الذي اعترى التنظيم القوي والمهيمن لحزب الاستقلال إلى مزيد من تقلص الهالة السياسية التي كان يحظى بها الزعيم علال الفاسي، حيث عكست عجزه إلى جانب رفيقه في النضال الزعيم المهدي في رأب هذا الصدع واضطراره إلى ترؤس حزب فقد قسما من فعالياته وكفاءاته، وزاد من ضعف منافسته للمؤسسة الملكية على احتكار السلطة. وعلى الرغم من رئاسته لحزب الاستقلال، وما كان يتمتع به من رصيد نضالي وفقهي، فقد تم تعيينه من لدن الملك الراحل الحسن الثاني وزيرا للأوقاف التابعة للملك بوصفه أميرا للمؤمنين مما زاد من تقليص إشعاع هذا الزعيم والحد من شعبيته.

أما بالنسبة عبد الرحمان اليوسفي الذي تأسست زعامته السياسية على انتمائه إلى صفوف المقاومة المسلحة التي حاربت سلطات الحماية إلى جانب صديقه محمد البصري، وتعرضه جراء ذلك للسجن والنفي. ومشاركته في تنظيم وإدارة حركة المقاومة وجيش التحرير بعد نفي سلطات الحماية الفرنسية للملك محمد الخامس من 1953 إلى 1956، فقد جرى توظيف رصيده النضالي والسياسي من لدن الملك الراحل الحسن الثاني لتسهيل سلاسة الخلافة على العرش، إذ على الرغم من معارضته لحكم هذا الأخير واعتقاله في ديسمبر 1959 مع محمد البصري مدير "التحرير" بتهمة التحريض على العنف والنيل من الأمن الوطني للدولة والأمن العام وإعادة اعتقاله من جديد في يوليوز 1963 مع جميع أعضاء اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتهمة التآمر والحكم عليه غيابيا بالإعدام، فقد عاد إلى المغرب بعد صدور حكم بالعفو الملكي عنه في 20 غشت 1980، ليتم تعيينه من لدن الملك الراحل الحسن الثاني تعيينه كوزير أول لأول حكومة تناوب في 1998. وهكذا، تم توظيف شعبية هذا الزعيم سياسيا ليس فقط في تسهيل عملية انتقال العرش، بل اقتصاديا أيضا من خلال تمرير مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت ضرورية لاحتواء تداعيات التقويم الهيكلي التي تم فرضه منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين مع رافق ذلك من خصاص اجتماعي وما ولده من انتفاضات شعبية وقمع دموي وسع من الشرخ السياسي بين الدولة ومكوناتها المجتمعية..

لكن بمجرد ما استتب الأمر لوريث الملك الراحل الحسن الثاني، حتى تم الاستغناء على خدمات هذا الزعيم اليساري وتعويضه بوزير أول تقنوقراطي على الرغم من تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للانتخابات التشريعية، في خرق سافر "للمنهجية الديمقراطية".

ولعل الأمر نفسه قد حدث مع رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي تميز في ظرفية سياسية حساسة بخصال جعلت منه شخصية سياسية ملفتة للأنظار، وأكسبته شعبية سياسية تم توظيفها من طرف المؤسسة الملكية في تدبير مرحلة حراك 20 فبراير وتداعيات الربيع العربي. فقد ارتبط مسار حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الدينية بشخصية بنكيران، التي أسهمت بشكل كبير في رسم معالم هذا الحزب الذي اختزل تجربته السياسية الشخصية. فقد كان لبنكيران دور أساسي في إخراج الحزب من ضغوط الحصار السياسي الذي فرض عليه طيلة الفترة من 2003 إلى 2010، واستهدافه خاصة من لدن الوزير المنتدب للداخلية السابق وصديق الملك محمد السادس السيد فؤاد عالي الهمة الذي عمل كل ما في وسعه لتحجيم دور الحزب الانتخابي والسياسي، ومضايقته عن طريق تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.

كما وجد أعضاء الحزب في بنكيران الزعيم السياسي الذي تمكن من مواجهة شراسة مختلف خصومه السياسيين، لقوته في المواجهة، وقدرته على ضراوة المعارك التي أعلنتها الدولة لسنوات، والتي تصاعدت مع تفجيرات 16ماي 2003 التي اتهم الحزب فيها بعدم الوضوح الإيديولوجي الكافي في علاقته بالسلفيين، وبالمسؤولية المعنوية عن أحداث 16 ماي التي دفعت ببعض خصومه إلى المطالبة بحله. وبالتالي، فقد شغل انتخاب بنكيران الوسط السياسي والإعلامي المغربي بعيد انتخابه في 2008، فأولاه السياسيون تصريحاتهم والصحف تعليقاتها وعناوين صفحاتها الأولى، وخصّصت له الأسبوعيات أغلفتها.

ولعل هذه الشعبية السياسية هي التي دفعت المؤسسة الملكية إلى توظيف شخصية بنكيران في تدبير مرحلة تداعيات حراك 20 فبراير خاصة بعدما منع فيها الامين العام أعضاء حزب العدالة والتنمية وقيادييه من الانضمام إلى التنظيمات السياسية الراديكالية التي تزعمت النزول إلى الشارع في مظاهرات ومسيرات تطالب بمحاربة الاستبداد ومواجهة الفساد .فنتيجة لهذا الموقف السياسي، ولتمرير مجموعة من الإصلاحات اللاشعبية التي كان التي تقرر تنفيذها وعلى رأسها إصلاح صندوق المقاصة والصندوق الوطني للتقاعد...، فقد عين بنكيران كأول رئيس للحكومة بمقتضى أول دستور في عهد الملك محمد السادس لولاية تشريعية كاملة مع ما رافقها من عراقيل سياسية تمثلت خاصة في انسحاب الوزراء الاستقلاليين من الحكومة واضطرار بنكيران للقبول بشروط حزب التجمع الوطني للأحرار مقابل الانضمام إلى حكومته إلى جانب الضغوط السياسية التي مارسها عليه المحيط الملكي، وكذا الغضب الشعبي الذي استعر جراء اتخاذه لبعض القرارات اللاشعبية وطريقة تعامله مع احتجاجات وإضرابات الموظفين.

لكن يبدو أن شخصية بنكيران التواصلية، التي ملأت المشهد السياسي وحظيت باهتمام الرأي العام الداخلي وحتى الخارجي، وتلقائيته السياسية التي أدت في بعض الأحيان إلى تجاوزه لبعض النقط المخزنية المرسومة، دفعت إلى اتخاذ قرار حاسم لإبعاده عن دواليب الحكومة. وبالتالي، فبالرغم من تصدر حزبه لنتائج الانتخابات التشريعية 2016، ودخوله في مفاوضات عسيرة مع رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المقرب من القصر، فقد تمت محاصرته في بلوكاج تفاوضي انتهى بإقالته ببلاغ ملكي بخلاف الاستقبال الملكي الذي خصص لليوسفي قبل تعويضه بجطو.

وعموما، فيبدو أن منطق الحكم بالمغرب يقوم جوهريا على منظومة حكم مغلق تلعب فيها المؤسسة الملكية الدور المحوري في الحياة السياسية بالمغرب؛ وهو ما يجعل من الملك المصدر الوحيد والمركزي لكل السلطات والصلاحيات، كما يجعل من شخص الملك محط كل الأنظار. فكل الإشارات، أو الكلمات التي تصدر عن شخص الملك تكتسي أهمية كبرى وتتمتع بدلالة سياسية ورمزية خاصة. وبالتالي، فيتم الحرص دائما على الاحتفاظ بالقرص الملكي متلألئا ومضيئا على غرار الملك الشمس الذي كان يميز ملوك فرنسا في فترة زمنية من تاريخها السياسي.

وهكذا، فإشعاع شخص الملك لا ينبغي أن تحجبه أي شخصية من النخبة السياسية، سواء كان أميرا أو زعيما سياسيا أو حتى رياضيا؛ فالكل ما زال يتذكر كيف تم توقيف أحد المذيعين في عهد الملك الراحل الحسن الثاني لزلة لسان ربطت اسم أحد العدائين باسم المغرب. وبالتالي، يبقى السؤال المطروح هو أن يكون القدر السياسي لكل زعيم من النخبة السياسية هو التواري إلى خلفية المشهد السياسي إذا ما تجاوز مجال الظل الملكي في صورة تشبه تلك الفراشات التي تحترق إذا ما اقتربت من الضوء؟!

عن الكاتب

الجهوية 24

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية